ابن حمدون
36
التذكرة الحمدونية
من الحجاز ، غدروا بهم ، واستصرخوا عليهم هذيلا . فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلَّا الرجال في أيديهم السيوف قد غشوا ، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم ، فقالوا : إنّا واللَّه ما نريد قتالكم ، ولكنّا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ، ولكم عهد اللَّه وميثاقه ألَّا نقتلكم . فأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكر وعاصم بن ثابت فقالوا : واللَّه لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا . فقاتلوهم حتى قتلوهم جميعا . وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد اللَّه بن طارق فلانوا ورقّوا ورغبوا في الحياة وأعطوا بأيديهم ، فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها ، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد اللَّه بن طارق يده من القرآن ، ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه ، فقبره بالظهران . وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما إلى مكة فباعو هما ، فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ، وكان حجير أخا الحارث بن عامر لأمّه ، ليقتله بأبيه . وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف . وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليحملوه إلى سراقة بنت سعد بن سهيل ليبيعوه منها ، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنّ في قحفه الخمر ، فمنعته الدّبر ، فلما حالت بينه وبينهم قالت : دعوه حتى نمسي فيذهب الدبر عنه فنأخذه ، فبعث اللَّه عزّ وجلّ الوادي فاحتمل عاصما فذهب به ، وكان عاصم قد أعطى اللَّه عهدا لا يمسّه مشرك أبدا ولا يمسّ مشركا في حياته ، فمنعه اللَّه تعالى بعد وفاته . وكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أنّ الدّبر منعته : عجبا لحفظ اللَّه العبد المؤمن ، كان عاصم نذر لا يمسّه مشرك ولا يمسّ مشركا في حياته فمنعه اللَّه بعد وفاته كما امتنع منه في حياته . وروي أنّ خبيبا لما حصل عند بنات الحارث استعار من إحداهنّ موسى يستحدّ بها للقتل ، فما راع المرأة لها صبيّ يدرج إلَّا بخبيب قد أجلس الصبيّ على فخذه ، والموسى في يده ، فصاحت المرأة ، فقال خبيب : أتحسبين أني أقتله ؟